من زاوية إحدى المقاهي بمدينة سياحية، أثار انتباهي منظر سائحة تعاني مشكلا مع صغيرتها التي لا يتجاوز عمرها الثالثة: الأم تريد أن تحتضن طفلتها لكن هذه الأخيرة تتمنع غاضبة، باكية و مهددة أمها بالضرب و ذلك من خلال حركات بيدها الصغيرة، ظهرت الحيرة على وجه الأم لكنها ظلت هادئة. الصغيرة اختبأت خلف شجرة مغروسة على يمين احد المنازل المقابلة للمقهى، أما الأم القلقة على حالة ابنتها النفسية فظلت تبتعد ببعض الخطوات عن مكان اختباء الصغيرة ثم تعود، وكانت كلما اقتربت علا صراخ الطفلة فترجع الأم إلى الخلف، و بعدما أعيى الأم الوقوف جلست مشيحة بوجهها عن الصغيرة و ذلك حتى لا تثير غضبها أكثر. مرت بعض الدقائق على هذا الحال و بعدما أحست الأم بهدوء صغيرتها التفتت إليها بحنان ولما وجدتها هادئة تماما، هرولت إليها واحتضنتها ثم حملتها بين درا عيها وانصرفت.
أعجبت كثيرا بهدوء هذه الأم و بحكمتها و فكرت فيما سيكون حال هذه الطفلة لو كانت من بلدنا هل كان سيحترم غضبها، أم كانت ستعاقب على تصرفها دون احترام لطفولتها و لشخصها الصغير؟
هذا الحادث جعلني أفكر في الطريقة المناسبة التي يجب تتبعها في تربية أطفالنا حتى يكونوا أصحاء نفسيا و جسديا لأن البداية الصحيحة تؤدي حتما إلى نتائج صحيحة.
يقول العالم النفسي ألدو نووني Aldo Naouni في كتابه " les pères et les mères" » إذا ربيتم أطفالكم كديمقراطيين فهناك حظوظ كبيرة أن تجعلوا منهم فيما بعد أشخاصا فاشيين؛ أما إذا ربيتموهم بطريقة نوعا ما فاشية فحتما ستجعلون منهم أشخاصا ديمقراطيين « هذا القول يدفعنا للتساؤل هل توجد هناك تربية ديمقراطية ؟
" التربية الديمقراطية" تتطلب أن تكون الأسرة "مجتمعا ديمقراطيا" فهل يتم إشراك الأطفال في اتخاذ القرارات الأسرية؟ وهل يتم أخذ آراءهم بعين الاعتبار حين التفكير في وضع قوانين للحياة العامة ؟
إن من يدعي تربية أطفاله "تربية ديمقراطية " إما أنه يغالط نفسه وإما أنه قد تخلى حتى على عملية التربية ذاتها: فهل يعقل أن نخضع لرغبات الطفل في اختيار نوع أكله و لباسه وتعليمه ؟ لو فعلنا لأصيب أطفالنا بجميع الأمراض الناتجة عن سوء التغذية و لما شفوا أبدا من نزلات البرد، بل أكثر من هذا لما كان هناك متعلمون و لغزت الأمية الكرة الأرضية.
إذا غابت التربية الديمقراطية فإن التربية الفاشية حاضرة و بقوة في ثقافتنا. إن هذا النوع من التربية يسعى إلى إنتاج الخضوع و الطاعة العمياء و ذلك من أجل فرض قراراتنا على الطفل و رفض أي حوار معه. فالكبار يتعاملون مع الطفل كراشد غير مكتمل لا حق له في ارتكاب الخطأ و يربونه على الاستماع وتنفيذ الأوامر و يحاولون تسييره كدمية .
يقول جبران خليل جبران في كتابه "النبي" (Le Prophète) : » يمكنكم أن تمنحوا أطفالكم حبا لا أفكارا لأن لديهم أفكارهم الخاصة و يمكنكم أن تتحكموا في أجسادهم وليس أرواحهم لأن هذه الأخيرة تعيش عالم المستقبل الذي لا يمكنكم زيارته و لو في الحلم. «
إن لمرحلة الطفولة التأثير الكبير على شخصية الإنسان؛ من هنا تأتي أهمية ما يتلقاه الطفل في هذه المرحلة وتأ ثيره على بنائه النفسي وتحديد السمات الشخصية الخاصة به. إن التربية، كما يقول فليب ميريو Philippe Meirieu في كتابه " العالم ليس لعبة" ( Le monde n’est pas un jouet) – هي عملية " عبور" : عبور من إطار مفروض إلى إطار مختار بحرية، عبور من قرارات مفروضة من الكبار إلى قرارات ندمج فيها و بالتدريج الأطفال. إنها عبور من الاتكال إلى الاعتماد على الذات.
التربية الحقة هي العمل على توفير كل الشروط حتى يتسنى للطفل المشاركة في الأمور المتعلقة بالأسرة وأن تكون له اختياراته الخاصة و أن تترك له الفرصة للتعامل مع العالم بمرح مع تزويده بالخبرات الذاتية التي تمنحه القوة لمواجهة المشاكل التي قد تعترض طريقه وهي المساعدة على الاكتشاف و إعطاء الاقتراحات وهي فتح المجال أمامه لإبداء مشاعره و آراءه مهما كانت إيجابية أو سلبية و ... وهذا ما يسمى بالـتربية على الديمقراطية.
| Décembre 2009 | ||||||||||
| L | M | M | J | V | S | D | ||||
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |||||
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | ||||
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | ||||
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | ||||
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||||||
|
||||||||||
salam Essaadia
ça me fait plaisir de te lire en français qu'en arabe ...c'est un très bon sujet que tu as abordé là.
mais je pense que les jeunes parents d'aujourd'hui sont conscients de l'éducation de leurs enfants.
bon blog
لقد أثرت موضوعا غاية في الأهمية يجب علينا كراشدين احترام شخصية الطفل ومنحه الحنان الكافي لينمو نموا نفسيا سليما. يجب علينا احترام ميولاته و توجيهها توجيها صحيحا.
حقا انك المربية الفاضلة التي لا تدخر وسعا للعمل لصالح ناشئتنا الصغيرة